الخطيب الشربيني

442

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا * ويأتيك بالأخبار من لم تزود فجعل يقول : ويأتيك من لم تزود بالأخبار فقال أبو بكر : ليس هكذا يا رسول الله فقال : « إني لست بشاعر ولا ينبغي لي » « 1 » وقيل : معناه ما كان متأتيا له ، وأما قوله صلّى اللّه عليه وسلم كما رواه مسلم والبخاري : « أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب » « 2 » وقوله كما رواه الشيخان أيضا « 3 » : « هل أنت إلا إصبع دميت * وفي سبيل الله ما لقيت » « 4 » فاتفاقي من غير تكلف وقصد منه إلى ذلك وقد يقع مثله كثيرا في تضاعيف المنثورات على أن الخليل ما عد المشطور من الرجز شعرا ، هذا وقد روى أنه حرك الباءين في قوله : أنا النبي لا كذب وكسر التاء الأولى بلا إشباع وسكن الثانية من قوله هل أنت إلا إصبع إلخ . وقيل : الضمير للقرآن أي : وما يصح أن يكون القرآن شعرا ، فإن قيل : لم خص الشعر بنفي التعليم مع أن الكفار كانوا ينسبون إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم أشياء من جملتها السحر والكهانة ولم يقل : وما علمناه السحر وما علمناه الكهانة ؟ أجيب : بأن الكهانة إنما كانوا ينسبون النبي صلّى اللّه عليه وسلم إليها عندما كان يخبر عن الغيوب وتكون كما يقول وأما السحر فكانوا ينسبونه إليه عندما كان يفعل ما لا يقدر عليه الغير كشق القمر وتكليم الجذع والحجر وغير ذلك ، وأما الشعر فكانوا ينسبونه إليه عندما كان يتلو القرآن عليهم لكنه صلّى اللّه عليه وسلم ما كان يتحدى إلا بالقرآن كما قال تعالى وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [ البقرة : 23 ] إلى غير ذلك ولم يقل : إن كنتم في شك من رسالتي فأخبروا بالغيوب أو أشبعوا الخلق الكثير بالشيء اليسير . فلما كان تحديه صلّى اللّه عليه وسلم بالكلام وكانوا ينسبونه إلى الشعر عند الكلام خص الشعر بنفي التعليم . ولما نفى أن يكون ما أتى به من جنس الشعر قال تعالى : إِنْ أي : ما هُوَ أي : هذا الذي آتاكم به إِلَّا ذِكْرٌ أي : شرف وموعظة وَقُرْآنٌ أي : جامع للحكم كلها دنيا وأخرى يتلى في المحاريب ويكرر في المتعبدات وينال بتلاوته والعمل به فوز الدارين والنظر إلى وجه الله العظيم مُبِينٌ أي : ظاهر أنه ليس من كلام البشر لما فيه من الإعجاز قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ( 86 ) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ [ ص : 86 ] كلهم ذكيهم وغبيهم بخلاف الشعر فإنه مع نزوله عن بلاغته جدا . إنما ذكر للأذكياء جدا وقوله تعالى : لِيُنْذِرَ ضميره للنبي صلّى اللّه عليه وسلم ويدل له قراءة نافع وابن عامر بالتاء الفوقية على الخطاب وقيل : للقرآن ويدل له قراءة الباقين بالياء التحتية على الغيبة ، واختلف

--> ( 1 ) أخرجه ابن كثير في تفسيره 6 / 576 ، والعجلوني في كشف الخفاء 1 / 543 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الجهاد حديث 2864 ، ومسلم في الجهاد حديث 1886 ، والترمذي في الجهاد حديث 1688 ، والرجز في كتاب العين 6 / 65 ، وتهذيب اللغة 10 / 611 . ( 3 ) الرجز لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في كتاب العين 6 / 65 ، وتهذيب اللغة 2 / 51 . ( 4 ) الحديث أخرجه البخاري في الجهاد حديث 2802 ، ومسلم في الجهاد حديث 1796 ، والترمذي في تفسير القرآن حديث 3345 .